ترى الدكتورة سنية فيصل الحسيني أن المشهد السياسي الأمريكي يشهد تحولاً واضحاً نحو تأييد إنهاء الحرب مع إيران، رغم استمرار الخلافات الحزبية حول تفاصيل الاتفاق. وتوضح أن الاعتبارات الاقتصادية والأمنية دفعت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى إعطاء الأولوية للتوصل إلى تسوية تنهي الصراع، حتى مع تصاعد الاعتراضات الإسرائيلية وانتقادات عدد من السياسيين الأمريكيين.
وتشير الدكتورة في مقالها المنشور على موقع ميدل إيست مونيتور إلى أن نحو 78% من الأمريكيين يؤيدون إنهاء الحرب مع إيران، بينما يرى 57% أن الصراع أوجد مشكلات أكثر مما عالج. كما أسهمت الحرب في ارتفاع أسعار النفط والطاقة، وهو ما زاد معدلات التضخم، ودفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، وسط مخاوف متزايدة بشأن الدين العام والعجز المالي.
الاتفاق بين واشنطن وطهران يعيد رسم الأولويات
يرى التحليل أن استمرار الاتفاق سيؤدي إلى انخفاض أسعار النفط والوقود، وهو ما يساعد على تراجع التضخم تدريجياً واستقرار الدولار الأمريكي وانخفاض عوائد السندات الحكومية. أما إذا تجددت الحرب، خاصة مع استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، فسيرتفع النفط مجدداً، وستتعرض الأسواق الأمريكية لضغوط إضافية، مع توقعات بزيادة أسعار الفائدة واستمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض.
ويؤكد الكاتب أن الاتفاق يعكس تحولاً في أولويات واشنطن، إذ باتت الإدارة الأمريكية تنظر إلى إنهاء الحرب باعتباره ضرورة لحماية الأمن القومي الأمريكي وتقليل الأعباء الاقتصادية، بينما تواصل إسرائيل الدفاع عن سياسة حرية العمل العسكري في المنطقة باعتبارها جزءاً أساسياً من أمنها القومي.
وأظهر هذا التباين اتساع الفجوة بين الحليفين بشأن إدارة مرحلة ما بعد الحرب، خاصة في الملفات المرتبطة بإيران ولبنان، بعدما بدأت واشنطن تسعى إلى ضبط استخدام القوة العسكرية ضمن إطار إقليمي ودولي يخدم مصالحها السياسية والاقتصادية.
إسرائيل تواجه تراجعاً في النفوذ داخل واشنطن
أبدت الحكومة الإسرائيلية استياءها من الاتفاق، خصوصاً فيما يتعلق بتخفيف الضغوط الاقتصادية على إيران قبل التحقق الكامل من التزاماتها النووية. كما أعلن عدد من الوزراء الإسرائيليين أن تل أبيب لا تعتبر نفسها ملزمة بجميع بنود الاتفاق، في حين انتقدت المعارضة الإسرائيلية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لعجزه عن التأثير في الموقف الأمريكي، رغم رفضها الاتفاق أيضاً.
وفي المقابل، دعا اللوبي الأمريكي المؤيد لإسرائيل "إيباك" إلى فرض شروط أكثر صرامة على طهران، تشمل إزالة مخزون اليورانيوم المخصب، وتفكيك منشآت التخصيب، وفرض قيود على برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء دعم الجماعات المسلحة في المنطقة.
لكن التحليل يرى أن نفوذ "إيباك" لم يعد بالقوة التي امتلكها خلال مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015. فقد شهد الكونغرس تغيراً ملحوظاً في مواقف عدد من النواب والشيوخ الجمهوريين والديمقراطيين، حيث أيد بعض أبرز الداعمين التقليديين لإسرائيل مشروع قانون يقيّد صلاحيات الرئيس في إرسال القوات الأمريكية إلى الحروب دون موافقة الكونغرس، في مؤشر يعكس تزايد الرغبة داخل المؤسسة التشريعية في تجنب الانخراط العسكري الطويل.
كما كشفت استطلاعات الرأي عن تأييد أغلبية الجمهوريين لإنهاء الحرب، بما في ذلك نسبة كبيرة من أنصار حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً"، وهو ما يمنح إدارة ترامب مساحة أوسع للمضي في تنفيذ الاتفاق دون مواجهة معارضة كافية لإفشاله.
انقسام حزبي مع توافق على إنهاء الحرب
لا يزال الحزب الجمهوري منقسماً بشأن الاتفاق، إذ يدعمه التيار المقرب من ترامب باعتباره وسيلة لإنهاء الحرب وخفض تكاليفها الاقتصادية، بينما يرى المحافظون المتشددون أنه يمنح إيران مكاسب مالية وسياسية دون ضمانات كافية بشأن برنامجها النووي. كما يطالب تيار آخر بإضافة ضمانات وتفاصيل أكثر قبل تأييده، في حين يعارض أنصار شعار "أمريكا أولاً" أي انخراط عسكري أمريكي جديد، وينتقدون حجم التأثير الإسرائيلي في صناعة القرار داخل واشنطن.
ولا تختلف الصورة كثيراً داخل الحزب الديمقراطي، حيث تتباين المواقف بين الجناح التقدمي والتيار الوسطي والجناح المحافظ. ورغم هذا التنوع، انتقد عدد من القيادات الديمقراطية الاتفاق، معتبرين أنه يمنح إيران مكاسب كبيرة دون تحقيق ضمانات كافية. ومع ذلك، يرفض كثير منهم استمرار الحرب، ويرون أن إنهاءها يخدم المصالح الأمريكية على المدى البعيد.
ويخلص التحليل إلى أن الإدارة الأمريكية والكونغرس والرأي العام يتجهون تدريجياً نحو تغليب خيار التسوية السياسية على التصعيد العسكري، رغم استمرار الجدل حول تفاصيل الاتفاق. كما يرجح أن تستمر المفاوضات بين واشنطن وطهران، لأن تكلفة العودة إلى الحرب تبدو أعلى بكثير من تكلفة استكمال المسار الدبلوماسي.
ويختتم الكاتب بالإشارة إلى أن الغضب الإسرائيلي يعكس خلافاً متزايداً مع الإدارة الأمريكية حول إدارة المرحلة المقبلة، وقد يمتد أثره إلى ملفات غزة ولبنان. ويرى أن هذا التباين قد يزداد وضوحاً إذا أسفرت الانتخابات الإسرائيلية المقبلة عن تشكيل حكومة جديدة تعيد صياغة العلاقة مع واشنطن في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية.

